العدالة _ في السنوات الأخيرة، تصاعدت المخاوف داخل الأوساط القانونية بشأن المسار الذي تسلكه أعلى الهيئات القضائية في مصر، وعلى رأسها محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا والمحكمة الدستورية العليا، في ظل ما يراه كثير من المحامين وفقهاء القانون من أزمة متنامية في بطء العدالة وتراجع فاعلية الحق في التقاضي، فقد أصبحت أحكام الرفض الجماعي التي تصدرها بعض الدوائر علامة مقلقة في المشهد القضائي، إذ تمثل -في تقديري- نوعًا من وأد العدالة، وتحول المحاكم إلى مقابر للحقوق، بعدما كانت حصنًا للمواطن في مواجهة التعسف والخلل الإداري أو التشريعي.
إن محكمة النقض، التي عُرفت تاريخيًا بدورها كمحكمة قانون تراقب سلامة تطبيقه، باتت مطالبة اليوم بالعودة إلى وظيفتها الطبيعية، خصوصًا بعد الاتجاه نحو إقرار التقاضي على درجتين أمام محكمة الجنايات بموجب تعديلات قانون الإجراءات الجنائية. فإعادة تحديد اختصاص محكمة النقض، بما يحقق التوازن بين ضمانات المحاكمة العادلة وسرعة الفصل في القضايا، لم يعد خيارًا تشريعيًا بل واجبًا وطنيًا يفرض على المشرّع التحرك، ويُلزم نقابة المحامين ومعها رجال الفقه والقانون بالمطالبة الصريحة به.
المحكمة الإدارية العليا
وفي المقابل، تواجه المحكمة الإدارية العليا إشكالية مختلفة تتمثل في الرفض الجماعي للطعن دون معالجة كافية، نتيجة الضغط الشديد وتكدس “الرولات” أمام دوائر الفحص والموضوع. والحل ـ كما يشير المتخصصون ـ لا يكمن في التضييق أو السرعة غير المدروسة، بل في زيادة عدد الدوائر القضائية وتوسيع نطاق الفحص والبحث والتحليل، لأن العدالة لا تضرها الكثرة بقدر ما يضرها التعجل وإغلاق الأبواب أمام الحق في التظلم.
أما المحكمة الدستورية العليا، التي تمثل قمة الهرم القضائي وحامية الدستور، فهي تواجه أزمة من نوع آخر، إذ أدى تأخرها في الفصل في الطعون الدستورية إلى تجميد حقوق آلاف المتقاضين، خاصة في القضايا ذات الأثر المالي والاقتصادي المباشر. ويكفي أن نذكر أن طعون قانون القيمة المضافة لا تزال حبيسة أدراج مفوضي المحكمة منذ عام 2018، في مشهد يختزل معاناة المواطنين والمؤسسات مع بطء العدالة الدستورية.
إن المحصلة النهائية لكل ذلك تنذر بخطر حقيقي، إذ إن استمرار هذا الوضع دون إصلاح مؤسسي متكامل يعني أن أحكام الرفض والتأجيل المتكرر ستتحول إلى خنجر في ظهر العدالة، وتؤدي تدريجيًا إلى عزوف المواطنين عن اللجوء إلى القضاء وفقدان الثقة في فعالية الدستور نفسه الذي كفل حق التقاضي للجميع.
مؤسسات الدولة
ومن ثم، فإن تدارك هذا الوضع يتطلب تكاتف مؤسسات الدولة كافة المرتبطة بعمل هذه المحاكم وتنظيمها وتطويرها: من مؤسسة الرئاسة والبرلمان بغرفتيه، مرورًا بالمجلس الأعلى للقضاء ووزارتي العدل والشئون النيابية والقانونية، ورئيس مجلس الدولة، ورئيس المحكمة الدستورية العليا، والنائب العام، وصولًا إلى نقابة المحامين. وحده هذا التعاون الجاد يمكن أن يضمن عودة العدالة إلى مسارها الطبيعي، وأن يعيد الثقة في القضاء المصري كركيزة أساسية لدولة القانون.

1 أفكار حول “ربيع الملواني يكتب: العدالة في خطر”