لم تعد الخصوصية الشخصية في العصر الرقمي بمنأى عن الانتهاك، إذ تحولت الهواتف الذكية إلى خزائن أسرار قابلة للكسر في لحظة.
خلال الأيام الأخيرة، تصدرت الفنانة رحمة محسن مواقع التواصل بعد انتشار مقطع منسوب إليها، قيل إن طليقها وراء تسريبه، وسبق ذلك موجة جدل عقب تداول مقاطع منسوبة إلى البلوجر هدير عبدالرازق، وسط ترجيحات بأن هاتفها تعرض للاختراق.
ومع استدعاء الذاكرة لقضية المخرج خالد يوسف التي سبق أن شغلت الرأي العام، عاد النقاش حول خطورة تسريب الفيديوهات الجنسية، وحول المدى الذي تبلغه العقوبة القانونية في مثل هذه الوقائع.
رحمة محسن وهدير عبد الرازق
التطور الرقمي الذي منح الإنسان حرية التعبير، بات سلاحًا ذا حدين؛ فالمقاطع الخاصة التي تُلتقط بدافع الحب أو الثقة، قد تتحول إلى أداة للانتقام أو وسيلة ابتزاز بعد الانفصال.
في حالة رحمة محسن، الحديث يدور حول خلافات زوجية انتهت بتسريب الفيديو، بينما يرى متابعون أن ما جرى مع هدير عبدالرازق يدخل في نطاق القرصنة الإلكترونية وسرقة البيانات من الهاتف.
لكن خلف هذه الوقائع الفردية، تكمن أزمة أعمق: إلى أي مدى يحمي القانون المصري الحياة الخاصة؟ وماذا يقول عن تسريب المقاطع الحميمة، سواء بين زوجين أو غير متزوجين؟
تسريب الفيديوهات الجنسية في مصر
أولًا: إذا كان الفيديو بين زوجين
القانون لا يمنح الزوج أو الزوجة أي حصانة في حال نشر مقاطع حميمية. فإذا قام أحد الزوجين بتسريب الفيديو، سواء بدافع الانتقام أو الابتزاز، فالجريمة تُصنَّف على أنها انتهاك لحرمة الحياة الخاصة، وقد تتداخل معها جرائم أخرى كـالتهديد، القذف، أو التشهير.
تنص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه لكل من انتهك حرمة الحياة الخاصة أو نشر صورًا أو مقاطع دون موافقة أصحابها.
أما إذا كان التسريب بهدف الابتزاز المالي أو الضغط النفسي، فالعقوبة قد تصل إلى السجن سبع سنوات طبقًا للمادتين 326 و327 من قانون العقوبات، وهي المواد التي تجرم التهديد بنشر أمور تخدش الشرف مقابل منفعة مادية.
ثانيًا: إذا كان الفيديو بين شخصين غير متزوجين
لا يعتد القانون هنا بطبيعة العلاقة، بل بالفعل نفسه، فتصوير شخص دون علمه أو نشر مقطع خاص به دون إذنه يُعد اعتداءً على الخصوصية يعاقب عليه بالسجن والغرامة.
وإذا كان التصوير تم برضا الطرفين، ثم أُسيء استخدامه لاحقًا، فالعقوبة تطال من نشر أو شارك أو وزّع الفيديو، وتندرج تحت جريمة نشر مواد خادشة للحياء المنصوص عليها في المادة 178 من قانون العقوبات، التي تصل عقوبتها إلى الحبس لمدة سنتين وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه.
ثالثًا: إذا كان المسرب طرفًا ثالثًا (هاكر أو ناشر)
يُجرّم القانون أي شخص يحصل على مقطع خاص بطرق غير مشروعة وينشره أو يتداول محتواه، حتى لو لم يكن طرفًا فيه.
وهنا تتداخل جريمة الاختراق مع جريمة انتهاك الخصوصية، ويُعاقب الجاني بالحبس والغرامة طبقًا لقانون الجرائم الإلكترونية، فضلًا عن إلزامه بتعويض مدني للضحية إذا ثبت الضرر المعنوي أو المهني الناتج عن التسريب.
رابعًا: في حال استخدام التسريب كوسيلة ابتزاز
الابتزاز الإلكتروني هو الوجه الأكثر شيوعًا في هذه القضايا، إذ يقوم الجاني بتهديد الضحية بنشر المقطع مقابل المال أو الخدمات.
القانون يعاقب على ذلك بالسجن الذي قد يصل إلى سبع سنوات إذا كان التهديد مصحوبًا بطلب مادي، وتُخفف العقوبة إلى ثلاث سنوات إذا لم يصاحبه طلب مالي، وفقًا للمادة 327 من قانون العقوبات.
ويُعتبر هذا الفعل جريمة مركّبة تشمل التهديد والتشهير وانتهاك الخصوصية معًا.
بين الزنا والنشر الفاضح.. حدود الخطر القانوني
في حال تضمن الفيديو مشاهد فاضحة أو أعمالًا جنسية واضحة، قد تتقاطع القضية مع مواد قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961، والمادة 269 مكررًا من قانون العقوبات، التي تجرّم الفعل الفاضح العلني، ويعاقب مرتكبها بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، وتشدد العقوبة في حال التكرار أو الإعلان العام.
أما إذا اقترنت الواقعة بتحريض أو إعلان أو ترويج، فإن العقوبة قد تصل إلى ثلاث سنوات وغرامة إضافية، مع إمكانية وضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة.
العقوبة القانونية
سواء كانت الضحية فنانة أو مواطنة عادية، فالعقوبة واحدة، لكن الواقع الاجتماعي يزيد وطأة الضرر على الشخص العام.
انتشار الفيديوهات الفاضحة يهدد السمعة المهنية والاجتماعية، وقد يدفع الضحية إلى الانعزال أو الانهيار النفسي، لذلك، أوصت النيابة العامة في أكثر من مناسبة بضرورة عدم تداول المقاطع أو إعادة نشرها حتى لا يتحول المتابع إلى شريك في الجريمة.

البعد الأخلاقي والمجتمعي للأزمة
تسريب الفيديوهات لم يعد مجرد فضيحة أخلاقية، بل صار ظاهرة اجتماعية تهدد قيم الخصوصية، وتطرح سؤالًا حول حدود الحرية في الفضاء الرقمي. فمع تصاعد استخدام تقنيات “التزييف العميق” أصبح من السهل فبركة مقاطع قد تُدمّر حياة أشخاص أبرياء.

الخبراء يرون أن الردع القانوني وحده لا يكفي، بل يجب تعزيز الوعي الرقمي ورفع ثقافة الأمان السيبراني لدى الأفراد، خصوصًا المشاهير، الذين يمثلون هدفًا دائمًا للهجمات الإلكترونية.
ختاما، فالقانون المصري وضع منظومة متكاملة لمعاقبة تسريب الفيديوهات الإباحية أو الفاضحة، سواء صدرت عن زوج، أو هاكر، أو ناشر، لكن تبقى الوقاية الرقمية، وحماية الخصوصية، والتعامل القانوني السريع، هي الضمانة الحقيقية للردع.
