تسجيل المكالمات_ يحظى موضوع تسجيل الأفراد للمحادثات الهاتفية بقدر كبير من الجدل والاهتمام، سواء على مستوى الرأي العام أو داخل الدوائر القانونية والبحثية. وقد أتيح لي تناول هذا الملف بصورة معمقة ضمن أحد أبحاث الترقية إلى درجة أستاذ عام 2002، مستنداً إلى حكم محكمة النقض الصادر عام 2000 في الطعن رقم 22340، وهو حكم شكل لحظة مفصلية في فهم ضوابط هذا النوع من الأدلة وحدود مشروعيته.
ويقوم البناء التشريعي المصري على قاعدة عامة مؤداها حظر تسجيل الأفراد للمحادثات الهاتفية، مع إقرار ثلاث حالات استثنائية تجيز ذلك وفق ضوابط دقيقة توازن بين حماية الخصوصية وضرورات العدالة.
تسجيل الأفراد للمحادثات الهاتفية
تتمثل الحالة الأولى في وجود موافقة مسبقة من الطرف الآخر على التسجيل، غير أن هذه الموافقة لا تمتد إلى الإذن بنشر أو إفشاء محتوى المحادثة، لأن التسجيل والإفشاء يُعدّان فعلين مستقلين، قد يترتب على كل منهما انتهاك للخصوصية إذا تم دون رضا صريح. كما تُعامل الرسائل الصوتية معاملة الرسائل النصية الخاصة، ولا يمكن اعتبار ترك رسالة صوتية تفويضاً ضمنياً في إعلان مضمونها.
أما الحالة الثانية فتتعلق بحق المتهم في الدفاع عن نفسه عندما يكون اللجوء إلى التسجيل ضرورياً لإثبات البراءة. وقد استقرت محكمة النقض على أن مشروعية الدليل ليست شرطاً لازماً في هذه الحالة، انطلاقاً من مبدأ جوهري مؤداه أن المجتمع لا يتضرر من إفلات مذنب بقدر ما يتضرر من إدانة بريء. وبذلك يعلو حق المتهم في درء الاتهام على القيود الشكلية في الحصول على الدليل.
وتأتي الحالة الثالثة باعتبارها استثناءً قضائياً محموداً من الحالة السابقة، حيث أجاز القضاء للمجني عليه – وليس المتهم – تسجيل المكالمات التي تتضمن سباً أو قذفاً أو تهديداً أو ابتزازاً أو أي فعل جنائي واقع عليه، حتى دون إذن مسبق من النيابة العامة. ويستند هذا الاتجاه إلى أسس موضوعية وإجرائية عدة، أبرزها أن التسجيل الصادر عن المجني عليه لا يُعد إجراءً من إجراءات الخصومة الجنائية، وأنه لا يخضع لقيود المادة 95 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية التي تنظم التعامل مع أجهزة المتهم لا أجهزة الضحية.
الأفعال الإجرامية عبر الهاتف
كما أن الحق في الخصوصية لا يمتد ليشمل الأفعال الإجرامية التي تُرتكب عبر الهاتف ضد المجني عليه، إذ لا يجوز أن يرد حق قانوني على فعل غير مشروع، ويُعتبر تسجيل المجني عليه لما يصل إلى سمعه بمثابة ضبط لدليل حال تمام الجريمة، على نحو يقترب من حالة التلبس التي تخول للفرد العادي اتخاذ إجراءات تحفظية تجاه الجاني في الجرائم المعاقب عليها بالحبس.
ولا يمس هذا النوع من التسجيلات بحقوق الدفاع، إذ يظل للمتهم الحق الكامل في مناقشة الدليل ومواجهة عناصره في إطار ضمانات المحاكمة العادلة.
غير أن تطبيق هذا الاستثناء يظل مقصوراً على حالاته الضيقة، لأن التوسع غير المحسوب فيه قد يؤدي إلى نتائج خطيرة تمس استقرار المجتمع وحرمة الحياة الخاصة، وهو ما يستوجب ضبطه بضوابط واضحة تحافظ على التوازن بين حماية الأفراد وسيادة القانون.
أ.د/ طارق سرور
أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي
كلية الحقوق – جامعة القاهرة
