المحامين
الأموال المحولة بالخطأ_ في ظل انتشار تطبيقات التحويل الإلكتروني مثل إنستا باي والمحافظ البنكية، تتكرر حالات تحويل الأموال بالخطأ إلى حسابات غير مقصودة، ما يثير تساؤلاً جوهريًا: هل يُعد الامتناع عن رد الأموال المحولة إلكترونيًا بطريق الخطأ جريمة يعاقب عليها القانون، أم أنه مجرد نزاع مدني يخضع للإجراءات المدنية فقط؟
في هذا التقرير، نستعرض في “أفوكاتو”، أبرز الآراء القانونية، ونحلل النصوص الحاكمة، ونطرح الرأي الراجح.
الأموال المحولة بالخطأ.. جريمة جنائية
يرى بعض رجال القانون أن الامتناع عن رد الأموال المحولة إلكترونيًا عن طريق الخطأ يدخل في نطاق التجريم الجنائي، ويمكن إخضاعه لعدة نصوص من قانون العقوبات المصري.
1. تكييف الواقعة كجريمة سرقة
يستند هذا الرأي إلى المادة (311) من قانون العقوبات التي تنص على أن “كل من اختلس منقولًا مملوكًا لغيره فهو سارق”.
ويرى أن المال الإلكتروني يدخل في مفهوم “المنقول”، وأن امتناع المستلم عن الرد بعد علمه بالخطأ يمثل نية التملك.
إلا أن هذا التكييف يسقط أمام ركن الاختلاس، لأن المال لم يُنتزع من حيازة صاحبه، بل أُرسل إليه برضاء المرسل ولو كان بطريق الخطأ، وهو ما ينفي قيام الجريمة.
2.تكييف الواقعة كخيانة أمانة
يستند الرأي الثاني إلى المادة (341) من قانون العقوبات، إلا أن هذا الاتجاه غير دقيق قانونًا، لأن التسليم لم يكن بناءً على عقد أمانة أو وكالة أو وديعة، وهي الشروط اللازمة لقيام الجريمة، وبالتالي لا ينطبق النص على هذه الحالة.
3. تكييف الواقعة كعثور على مال مفقود
ذهب رأي ثالث إلى اعتبار الأموال المحولة خطأً كأنها “مال مفقود”، طبقًا للمادة (321 مكررًا)، معتبرًا أن الامتناع عن ردها يعادل “الاحتباس بنية التملك”.
لكن هذا الرأي يعد توسعًا غير جائز في التفسير الجنائي، لأن المال الإلكتروني ليس شيئًا ماديًا مفقودًا، والمستلم لم “يعثر” عليه بل “تلقاه” عبر نظام مصرفي معلوم.
الأموال المحولة بالخطأ.. نزاع مدني وليست جريمة
يرى الاتجاه الغالب أن الواقعة تخضع لأحكام القانون المدني فقط، تحديدًا المادة (179) من القانون المدني المصري، التي تنص على أن: “كل من تسلم على سبيل الوفاء ما ليس مستحقًا له وجب عليه رده”، بالتالي، فإن المستلم يكون قد أثرى دون سبب مشروع على حساب المرسل، وتولد في ذمته التزام برد ما تسلمه، وهو ما يُعرف قانونًا بـ”دعوى استرداد ما دُفع بغير حق”.
ويعد الامتناع عن الرد في هذه الحالة إخلالًا بالتزام مدني وليس ارتكابًا لجريمة جنائية.
الأموال المحولة بالخطأ.. فراغ تشريعي
تُظهر هذه الواقعة وجود فراغ تشريعي واضح في القوانين المصرية الحالية، حيث لم يتطرق قانون العقوبات أو قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات إلى التحويل الإلكتروني بالخطأ تحديدًا.
وتطبيق أي من نصوص السرقة أو خيانة الأمانة على هذه الحالة يمثل تجاوزًا لمبدأ الشرعية الجنائية الذي ينص على أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.
الأموال المحولة بالخطأ.. الرأي القانوني الراجح
استنادًا إلى النصوص والمبادئ القانونية المستقرة، فإن الامتناع عن رد الأموال المحولة إلكترونيًا بطريق الخطأ لا يشكل جريمة جنائية مكتملة الأركان، بل هو نزاع مدني بحت يخضع لقواعد الإثراء بلا سبب ودعوى استرداد ما دُفع بغير حق.
والمسار القانوني الصحيح هو رفع دعوى مدنية أمام القضاء لاسترداد المبلغ.
دعوة إلى المشرّع: ضرورة سن قانون ينظم التحويلات الإلكترونية بالخطأ
في ظل التوسع الكبير في خدمات التحويل الرقمي، أصبح من الضروري أن يتدخل المشرّع المصري لإضافة نص قانوني صريح يعالج هذه الوقائع المستحدثة، بحيث يجرم الامتناع العمدي عن رد الأموال المتلقاة إلكترونيًا بطريق الخطأ بعد ثبوت العلم بالواقعة.
ذلك لضمان حماية المواطنين وتعزيز الثقة في نظم الدفع الإلكتروني، دون المساس بمبدأ العدالة الجنائية أو التوسع في التفسير العقابي.
